محمد طاهر الكردي

231

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ودار العجلة ذكرها الإمام الأزرقي في تاريخه ، والأزرقي حجة لدى الجميع ، فهو كالمولود بمكة في القرن الثاني للهجرة ، ومن علمائها الأعلام ، وشيخ المؤرخين قاطبة ، وفي المثل : « أهل مكة أدرى بشعابها » فقد قال رحمه اللّه تعالى ، عن دار العجلة في تاريخه ما يأتي : دار العجلة ابتاعها عبد اللّه بن الزبير من آل سمير بن موهبة السهميين ، وإنما سميت دار العجلة لأن الزبير حين بناها عجّل وبادر في بنائها فكانت تبنى بالليل والنهار ، حتى فرغ منها سريعا ، وقال بعض المكيين : إنما سميت دار العجلة لأن ابن الزبير كان ينقل حجارتها على عجلة اتخذها على البخت والبقر . انتهى كلام الأزرقي . فدار العجلة ربما كانت موجودة قبل ابن الزبير ، الذي قتل سنة ثلاث وسبعين من الهجرة بعدة سنوات . والحكم بأنها أول دار بنيت بمكة غير صحيح مطلقا . والصحيح الذي لا شك فيه وهو المعتمد أن أول دار بنيت بمكة هي دار الندوة . فعلم مما تقدم أن قصيّ بن كلاب ، الجد الرابع للنبي صلى اللّه عليه وسلم هو الذي أمر قريشا أن تبني بيوتها حول الكعبة بمكة ، لا تهاونا بأمرها وإنما ملاذا بها حتى تهابهم الناس فلا يستحلون قتالهم ولا يهضمون حقوقهم ، كما أنه هو أول من بنى دارا قبل قريش ، وهي دار الندوة ، لتقتدي قريش به في بناء بيوتها ، وانظر إلى حكمة قصي في بدء بناء دار الندوة قبل بناء دار خاصة لنفسه ، فدار الندوة هي عبارة في عرفنا ونطلق عليها في عصرنا هذا « قصر الحكم » أو « دار البرلمان » أو « دار مجلس الوزراء » أو « دار الإمارة » لأن دار الندوة كانت قريش لا تبرم أمرا إلّا فيها ، ولا يقبل فيها من غير بني قصيّ إلا من بلغ سن الأربعين ، ويدخلها بنو قصيّ جميعا كبيرهم وصغيرهم ، وغير ذلك من الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يكون عضوا فيها . فالابتداء ببناية هذه الدار التي هي في مصلحة كل قبائل قريش ، قبل بناء بيوتهم ، بل حتى قبل بناء بيت لحاكم مكة ، هو عين الصواب والحكمة . . ولقد جعلنا لدار الندوة مبحثا خاصا فارجع إليه إن شئت . ولم تكن في صدر الإسلام ، بيوت بمكة تكرى ولا تباع . قال الإمام الأزرقي في تاريخه عن علقمة بن نضلة : كانت الدور والمساكن على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، رضي اللّه تعالى عنهم ، ما تكرى ولا تباع ولا تدعى إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن .